احسب تعويضاتك
menu

معيار فصل العامل تعسفيا

معيار فصل العامل تعسفيا بين أحكام القانون والقضاء بقلم: المحامي عبد الحكيم خالد علي علاونه
تاريخ النشر : 2017-06-01
معيار فصل العامل تعسفيا بين أحكام القانون والقضاء
"دراسة نقدية"
بادئ ذي بدء لم يحدد قانون العمل الفلسطيني رقم 7 لسنة 2000 مفهوم الفصل التعسفي، وارى حسنا ما فعله المشرع حيث من الأفضل أن تترك مهمة تعريف المصطلح القانوني وتبيان المقصود منه للفقه لما يتسم به المفهوم الفقهي من القدرة على التعديل وبالتالي مواكبة التطور الحياتي على العكس من النص القانوني الجامد والذي قد يطول أو يقصر تطبيقه بحسب مدة بقاء القانون أو النص دون تعديل من الجهات المختصة.
 
وتنص المادة 46/3 من قانون العمل على انه " يعتبر تعسفيا إنهاء عقد العمل دون وجود أسباب موجبة لذلك"، وتنص المادة 47 من ذات القانون على انه " مع احتفاظه بكافة حقوقه القانونية الأخرى يستحق العامل تعويضا عن فصله تعسفيا مقداره اجر شهرين عن كل سنة قضاها في العمل على ألا يتجاوز التعويض أجره عن مدة سنتين"، وتنص المادة 48 على انه " تحتسب مكافئة نهاية الخدمة وتعويض الفصل التعسفي للعامل بالقطعة أو بالعمولة على أساس متوسط أجره الشهري في مدة السنة الأخيرة".
 
وبتلك النصوص المذكورة أعلاه اختزل المشرع تنظيمه للفصل التعسفي وفق قانون العمل، ليبقى التساؤل مفتوحا حول المعيار الضابط لتحديد حالات الفصل التعسفي لما يترتب على ذلك من اثر مهم وهو معرفة استحقاق العامل للتعويض عن فصله تعسفيا من عدم استحقاقه لذلك؟؟
 
ذهبت محكمة النقض الفلسطينية في تحديد الضابط إلى اتجاهين:
 
الاتجاه الأول: أخذت محكمة النقض الفلسطينية المنعقدة في رام الله في بادئ الأمر في حكمها المدني رقم 182/2004 والصادر بتاريخ 29/1/2005م بالاستناد إلى نظرية التعسف باستعمال الحق لتحديد الفصل التعسفي من عدمه، ويبدو أنها أخذت بذلك على اعتبار أن قانون العمل هو من أقسام القانون الخاص وان تلك النظرية منظمة وفق أحكام القانون المدني والذي يعتبر المرجع العام لقانون العمل.
فقد قررت محكمة النقض الفلسطينية على انه " لم يضع قانون العمل الجديد أحكاما تحدد الأسس التي بمقتضاها يعتبر فصل العامل من عمله تعسفيا، ويمكن في هذا المجال الاستهداء بنص المادة 66/2 من القانون المدني الأردني التي حددت الحالات التي يكون فيها استعمال الحق غير مشروع وهي: أ- إذا توافر قصد التعدي، 2- إذا كانت المصلحة من الفعل غير مشروعة، 3- إذا كانت المنفعة لا تتناسب مع ما يصيب الغير من ضرر، 4- إذا تجاوز ما جرى عليه العرف.. كما يمكن الاستشهاد بالقاعدة الشرعية المنصوص عليها في المادة (91) من مجلة الأحكام العدلية وهي أن الجواز الشرعي ينافي الضمان، فمن استعمل حقه استعمالا مشروعا لا يضمن ما ينشأ عن ذلك من ضرر".
 
 وارى أن محكمة النقض الموقرة في حكمها سالف الذكر قد جانبت الصواب للأسباب التالية:
 
1-    إن القانون المدني الأردني والذي استهدت به المحكمة هو غير مطبق في فلسطين، وبالتالي فانه ومن غير المستساغ الاستعانة بتطبيق نصوصه على الدعاوى المنظورة أمام المحاكم الفلسطينية.
2-    يفهم من خلال القواعد العامة في القانون المدني أن القاضي لا يحكم بالتعويض على اساس التعسف في استعمال الحق الا بعد التأكد من ثبوت الضرر الواقع على طالب التعويض وعلى أن تتوافر العلاقة السببية بين التعسف والضرر، حيث تنص المادة 256 من القانون المدني الأردني رقم 43 لسنة 1976 على انه " كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر"، وتنص المادة 19 من مجلة الأحكام العدلية " لا ضرر ولا ضرار"،  بينما التعويض عن الفصل التعسفي وفق قانون العمل الفلسطيني يستحق بمجرد تحقق الفصل التعسفي للعامل بدون النظر إلى تضرر العامل من عدمه.
 
3-     تنص المادة 62 من القانون المدني الأردني على انه " لا ضرر ولا ضرار والضرر يزال"، وتنص المادة 19 من مجلة الأحكام العدلية " لا ضرر ولا ضرار" وتنص المادة 20 من المجلة على انه " الضرر يزال "، حيث يستفاد من ذلك أن التعويض عن التعسف في استعمال الحق يمكن أن يكون عينيا بإزالة الضرر واستئصاله، ويمكن أن يكون تعويضا نقديا أو الاثنين معا، بينما التعويض عن الفصل التعسفي وفق نص المادة 47 من قانون العمل الفلسطيني يكون نقديا فقط، إذ لا يتصور الحكم بإرجاع العامل إلى عمله رغما عن إرادة صاحب العمل بالقوة.
 
4-    بخصوص الاستشهاد بنص المادة 91 من مجلة الأحكام العدلية فهو غير موفق كون أن المشرع في قانون العمل حصر الحالات التي تجيز لصاحب العمل إنهاء نشاط العامل بطريق مشروع، ويفهم من ذلك وبمفهوم المخالفة أن أي حالة ليست من ضمن تلك الحالات تكون فصلا تعسفيا وموجبا للتعويض، وقد تم تنظيم ذلك وفق أحكام قانون العمل فلا حاجة للرجوع بما يخص ذلك إلى أحكام مجلة الأحكام العدلية استنادا إلى أن الخاص يقيد العام وبما أن قانون العمل هو قانون خاص فيقدم بالتطبيق على مجلة الأحكام.
 
 
5-    يقصد بقاعدة الجواز الشرعي ينافي الضمان أن من يستعمل حقه استعمالا مشروعا لا يضمن ما ينشأ عن ذلك من ضرر، ويثور هنا تساؤل حول معيار تحديد مفهوم الحق والذي بناءا عليه يتحدد التعويض من عدمه؟
 
6-    ذهبت محكمة النقض في حكمها إلى حصر حالات الفصل التعسفي مما يعني تضييقها من نطاق الحكم بالتعويض عنه، بينما من مصلحة العامل عدم حصر تلك الحالات، بل تركها للسلطة التقديرية للقاضي كون في ذلك توسيع لنطاق ودائرة تعويضه عن ذلك، مما يتفق مع مصلحة العامل ومراد المشرع من قانون العمل.
 
 
الاتجاه الثاني: في اتجاه أخر لمحكمة النقض الفلسطينية والذي وضعت فيه ضابطا أخرا لتحديد معيار الفصل التعسفي، فقد اعتبرت أن ما يخرج عن الحالات المنصوص عليها في المادتين 40 و 41 من قانون العمل يعتبر فصلا تعسفيا موجبا للتعويض، فقد قررت محكمة النقض الفلسطينية المنعقدة في رام الله في حكمها المدني رقم 94/2009 والصادر بتاريخ 30/9/2009م على انه " وحيث أن على صاحب العمل أن يثبت سبب إنهاء عقد العمل وان يكون ذلك لأحد الأسباب المحددة في المادتين 40 و 41 من قانون العمل على سبيل الحصر، وإلا كان فصلا تعسفيا، وان عدم مقدرة رب العمل على إثبات المخالفات التي نسبها للعامل وكذلك إنهاء العقد قبل انتهاء المشروع يعني أن الفصل كان تعسفيا"، وقررت ذات المحكمة في حكها المدني رقم 55/2008 والصادر بتاريخ 10/3/2009م على انه " حددت المادتين 40 و 41 من قانون العمل رقم 7 لسنة 2000 الحالات التي يجوز فيها لصاحب العمل إنهاء عقد العمل من طرف واحد، وان قيام صاحب العمل بفصل العامل دون أن تتوافر إحدى الحالات المنصوص عليها في المادتين السابقتين يعد فصلا بلا مبرر ويكون الفصل تعسفيا".
 
وارى هذا الاتجاه الأصلح للأخذ به لعدة أسباب منها:
1-    من مصلحة العامل عدم حصر حالات الفصل التعسفي، بل تركها للسلطة التقديرية للقاضي كون في ذلك توسيع لنطاق ودائرة تعويضه عن ذلك.
 
2-    قد يثور في ذهن القارئ نقدا مفاده أن إعطاء القاضي سلطة تقديرية وفق البند السابق يعني إعطائه سلطة تحكمية قد يسيء استعمالها وبذلك أقول أن باستطاعة أي طرف صدر الحكم ضده إتباع الطرق القانونية للطعن فيه خلال المدة القانونية.
 
3-    حدد المشرع حالات الفصل المشروع للعامل وهي المادتين 40 و 41 وبمفهوم المخالفة من تلك المادتين أن ما يخرج عنها من حالات تعتبر فصلا تعسفيا للعامل، مما يجعل هذا الاتجاه الأقرب إلى القانون وروحه.
 
4-    لا يحتاج العامل لإثبات الضرر فهو مفترض بمجرد ثبوت واقعة فصله من العمل تعسفيا وبالتالي يستحق التعويض القانوني اللازم، سيما وان المشرع اعتبر ذلك حقا له من ضمن رزمة الحقوق العمالية بموجب قانون العمل الفلسطيني.
 
5-    وضع معيار محدد وواضح، يحسم أي خلاف حول تحديد حالات الفصل التعسفي من عدمه.